الأربعاء، 16 ديسمبر 2015

الديمقراطية في المجتمعات الغربية، وأثرها على المجتمعات العربية


الديمقراطية في المجتمعات الغربية، وأثرها على المجتمعات العربية
إعداد : سارة المحيسن

إن أحد القضايا الدولية الهامة في المجتمعات الغربية والعربية هي قضية الديمقراطية وأبعدها على مختلف المجتمعات، يقول الحمد (١٩٩٩): (لا نستطيع اليوم إلا أن نقر بعالمية الديمقراطية والإيمان الإنساني المشترك بقيمها العالمية، مثل المساواة والحرية الفردية وتكافؤ الفرص، وغير ذلك من قيم تتضمنها الديمقراطية٠، رغم أنها غربية صرفة، فقد أصبحت الديمقراطية اليوم جزءاً من الثقافة العالمية المشتركة التي يزداد الإيمان بقيمها يوماً بعد يوم، وهذا مؤشر كبير على مدى (العالمية) التي اكتسبها مفهوم الديمقراطية والمُثُل الديمقراطية.
فلقد تأثرت النظم والشعوب العربية بعد شيوع الديمقراطية في العالم الغربي، رغم أنها لازالت الدكتاتورية هي الطابع الأغلب في البلدان العربية ، إلا أنها قللت من حدتها، فلقد أصبح مؤخراً للمواطن في بعض دول العالم العربي صوت مسموع، أو بالأصح لم يصبح بذلك الخوف عند إبداء وجهة نظره في بعض الأمور السياسية، وغيرها من الأمور على جميع الأصعدة، فمثلاً الطالب في المدرسة أصبح يناقش أستاذهُ وربما يخالفهُ في الرأي، على عكس السابق وما كانت عليه الأجيال الماضية، حيث أن السمع والطاعة هي الديدن في جميع مؤسسات التربية، بدء من المدرسة والبيت وانتاءً بالمجتمع، ولقد أصبح الفرد اليوم أكثر وعياً وأكثر إبصاراً بحق الفرد في حريته وفي إبداء وجهة نظره.
إن العالم العربي لازال يتعرض للعديد من المعوقات التي تعيق الديمقراطية والحرية الشخصية، وقد طرحت مجموعة من أهم معوقات الديمقراطية في العالم العربي وهي :
1.الفرد –المجتمع: أي المعوقات الذاتية عند المواطن العربي والمعوقات الاجتماعية الموضوعية المرتبطة بتركيبة هذا المجتمع ومستوى تطوره؛ أي العادات والتقاليد ونسبة الأمية ودخل الفرد والى آخره من المتغيرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
2.الدولة: أي المعوقات المؤسسية في الدولة. هل يوجد في هذه الدولة مؤسسات قائمة وتعمل كمؤسسة؟ وما هو وضع المؤسسات المدنية والأحزاب في هذه الدولة؟.
3.النظام الإقليمي: وتعني التحديات الخارجية الذي يفرضه النظام الإقليمي على بناء الديمقراطية في الدولة، وفي حالتنا هذه الصراع العربي الإسرائيلي وما يفرضه من تحديات على الواقع العربي.
4.النظام الدولي: أي مصالح الدول الكبرى التي قد تنسجم أحيانا وتتضارب أحيانا أخرى مع مصالح هذه الدول والجماهير وتأثيرها على بناء النظام الديمقراطي.
الفرد – المجتمع:
المقصود هنا مستوى تطور الأفراد في المجتمع وقابليتهم للقبول بالرأي والرأي الآخر ومدى قدرتهم على قبول الحسم بالطرق الديمقراطية وليس بوسائل قمعية. وواضح أن هذا متعلق بمتغيرات كثيرة مثل: المستوى التعليمي، الاقتصادي، والعادات والتقاليد الخ.. ويبدأ من مؤسسة الأسرة أي التعامل مع الزوجة والأولاد وصولا إلى أكبر المؤسسات كالبرلمان مثلا. وبالمقابل هل نحن كأفراد مستعدون أن نمنح ولاءنا بالدرجة الأولى للدولة ومؤسساتها أم لا؟ ولتجسيد الفكرة نقترح أن يسأل كل فرد منا نفسه سؤالا ويحاول أن يجيب عليه بصراحة ولو بينه وبين نفسه ليكتشف بنفسه مدى قابليته ليكون جزءا من مجتمع مدني قادر على التطور: لمن ولاؤه الأول والذي هو مستعد أن يضحي بحياته من أجله؟ هل هو للعائلة أم للقبيلة أم للمذهب أم للدين أم للدولة الوطنية؟ فبناء دولة ديمقراطية يفرض على الفرد أن يقدم ولاءه للدولة على كل ولاء آخر، ولكن هذا لا يعني إلغاء ولاءاته الأخرى وإنما إذا ما تناقض أي ولاء مع الولاء للدولة فعلية تفضيل الدولة.
 
وهنا يجب أن نتعلم كيف نخرج من القوقعة الطائفية والقبلية والدينية إلى ساحة الدولة الأوسع، فلا يمكن أن نلغي أو نوحد الطوائف والأديان، ولكن يجب أن نبتكر آلية تعامل، أي أن نترجم العلمانية ليس فقط على مستوى الدولة وإنما على مستوى الأفراد سلوكا على أرض الواقع، فإذا تناقضت المصلحة الطائفية مع مصلحة الدولة القومية فيجب أن يكون الفرد على مستوى من الوعي يجعله قادرا على أن يفصل ويعطي الأولوية لولائه لدولته ولدستوره الذي يحفظ له حريته ومشاركته وبالنتيجة يحفظ له الحق في الولاء الطائفي ولكن ضمن معادلة ديمقراطية صحيحة.
 
فالديمقراطية إذن هي كالنسيج المرن الحي الذي يلقى على الواقع الاجتماعي فيأخذ هذا النسيج شكل هذا الواقع، وتحدث علاقة جدلية بينهما أي بين الآلية الديمقراطية وبين هذا الواقع الاجتماعي تؤدي إلى ممارسة ثم تذويت ثم نقد وتعلم ثم تراكم خبرات ثم تعديل وتطوير حيث تتراكم التعديلات كميا مما يؤدي مع الزمن إلى تغيير نوعي في السلوك، الأمر الذي سيترك أثره على البنية الاجتماعية فيتعدل شكلها وهكذا يتعدل شكل النسيج الديمقراطي ويسير نحو الأمام أي يتطور. فإذا عدنا إلى المثال الحي في لبنان نرى أن النسيج الديمقراطي اللبناني يأخذ شكل الواقع الاجتماعي الطائفي، وأن ولاء اللبنانيين أولا إلى طوائفهم ثم إلى لبنان. فكل يتمترس في مكانه ويطالب في حصته في هذه الدولة لأن هيكل وماهية نظام الدولة ليس ديمقراطيا، وإنما هو قائم على المحاصصة الطائفية فهو يعرقل ويمنع التطور باتجاه مجتمع مدني يكون فيه ولاء اللبنانيين إلى مؤسسات الدولة وليس الطائفة. كذلك في العراق فنظامها الديمقراطي قائم على تكريس الواقع من خلال المحاصصة (الرئاسة الشكلية للأكراد، رئاسة الوزراء للشيعة، رئاسة البرلمان للسنة) فالانتخابات التي تجري هناك تقوم عل أساس طائفي وقبلي لأن النسيج الديمقراطي يأخذ شكل الواقع الاجتماعي.
 
إذن الواقع الاجتماعي في الدول العربية يشكل أحد أهم المعوقات أمام الديمقراطية. فدولة فيها تعدد ديني وطائفي وقبلي كاليمن مثلا يصبح فيها بناء الديمقراطية تحديا كبيرا للثورة في هذه البلد خصوصا في ظل التخلف والأمية.

المراجع :

الحمد، تركي (١٩٩٩). الثقافة العربية في عصر العولمة، (ط٤). دار مدارك للنشر، دبي.

هناك تعليقان (2):

  1. تسعى المجتمعات العربية لتكون دول دمقراطية لكن في حدود سياستها الدولية اذ أن نسيج هذه المجتمعات العربية بطبيعته لا يحتمل الديمقراطية مفهممها الواسع.


    بواسطة: سارة الايداء

    ردحذف
  2. تعتبر الديمقراطية أهم مكونات المجتمعات المتقدمة, ولذلك يصفها الفلاسفة بأنها قيمة القيم, لأنها تتضمن في ممارستها كثير من القيم الأخرى كتقبل الآخر والتسامح والسلام والتضامن والتعاون.
    الديمقراطية ممارسة تربوية تبدأ من الأسرة وتتفرع في كافة مجالات الحياة والتربية عليها تعد ضرورة في عصر الانفتاح والعولمة.
    بواسطة: بلسم المغذوي

    ردحذف